صديق الحسيني القنوجي البخاري
436
فتح البيان في مقاصد القرآن
تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ الجن : 6 ] وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة ، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب والأراجيف والسحر وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان . وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا أي يوم القيامة اعترافا منهم بالوصول إلى ما وعدهم اللّه به مما كانوا يكذبون به ، قال الحسن والسدي : الأجل الموت ، وقيل هو وقت البعث والحساب يوم القيامة ، وهذا تحسر منهم على حالهم أي أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين محدود ، ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة . ولما قالوا هذه المقالة أجاب اللّه عليهم و قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ أي موضع مقركم ومقامكم ، والمثوى المقام ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر خالِدِينَ فِيها أي مقيمين في نار جهنم أبدا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ المعنى الذي تقتضيه لغة العرب في التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات إلا في الوقت الذي يشاء اللّه عدم بقائهم فيها ، وعليه جرى السيوطي تبعا لشيخه المحلي في سورة الصافات ، وهو مخالف في ذلك لقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [ المائدة : 37 ] . والعجب منه أنه اختار هذا التفسير مع أنه في كتابه الدر المنثور قال : إن السلف على أن الكفار لا يخرجون من النار أصلا ، قاله القاري ، وقال الزجاج : إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة أي خالدين في النار إلا ما شاء اللّه من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب إلى حين دخولهم إلى النار ، وهو تعسف لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم ولا يصدق على من لم يدخل النار . وقيل الاستثناء راجع إلى النار أي إلا ما شاء اللّه من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير ، وبه فسر النسفي والشهاب وزاده الآية . وقيل الاستثناء لأهل الإيمان و ( ما ) بمعنى من أي إلا من شاء اللّه إيمانه فإنه لا يدخل النار ، وبه قال ابن عباس كما حكاه الجمهور ، وبه قال الكرخي ، وقيل المعنى إلا ما شاء اللّه من كونهم في الدنيا بغير عذاب . وكل هذه التأويلات متكلفة والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبدا ، ولكن لا تعارض بين عام وخاص لا سيما بعد وروده في القرآن مكررا كما سيأتي في سورة هود خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ] ولعله يأتي هنالك إن شاء اللّه تعالى زيادة تحقيق . قال ابن عباس : في هذه الآية إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه أن